مشروع النهضة والتجربة السورية: د جاسم سلطان

لا يبدأ مشروع النهضة من الحماسة المجردة، ولا من تكرار الشعارات، ولا من استدعاء أمجاد الماضي بوصفها إجابات جاهزة عن أسئلة الحاضر. البداية الصحيحة هي أن يسأل الإنسان نفسه سؤالا مباشرا: هل يقود ما نفعله فعلا إلى نهضة؟ أم أنه عمل صالح في ذاته، لكنه لا يملك أدوات التحول التاريخي وصناعة الواقع؟
هذا السؤال هو قلب مشروع النهضة. فالنهضة ليست مؤتمرات، ولا خطبا، ولا أناشيد، ولا تراكم نيات حسنة. إنها فهم للعصر، وتشخيص لعقدة الصراع، وبناء متدرج للقدرة المعرفية والاقتصادية والعلمية والسياسية. ومن دون هذا الفهم قد يتحرك الناس كثيرا، لكنهم يدورون في المكان نفسه.
فهرس المحتويات
البداية
تولدت أسئلة مشروع النهضة من تجربة جيل عاش المد الإسلامي الكبير في السبعينيات والثمانينيات. كانت الأحلام واسعة، وكانت قضية نهوض الأمة الإسلامية والعربية حاضرة بقوة في الوجدان. انتشرت الأعمال الدعوية والتنظيمية، وكثرت حلقات الدراسة والمؤتمرات والأنشطة، لكن السؤال الذي فرض نفسه لاحقا كان أكثر عمقا من مجرد تقييم حجم النشاط: هل هذه المسارات هي فعلا طريق نهضة الأمم؟
لم يكن الجواب سهلا. فالعمل الإسلامي في تلك المرحلة كان يحمل خيرا وحماسة وصدقا عند كثير من أبنائه، ولكنه لم يكن بالضرورة يملك أدوات فهم التحولات الكبرى في التاريخ والمجتمع والسياسة والاقتصاد. لذلك كان لا بد من التمييز بين العمل النافع في ذاته والعمل الذي يستطيع أن ينقل مجتمعا بأكمله من التخلف إلى الفاعلية الحضارية.
قادت هذه المراجعة إلى دراسة التخطيط الاستراتيجي وفنون الإدارة. غير أن الإدارة نفسها اتضح أنها أدوات، وليست جوابا كاملا عن سؤال النهضة. يمكن للإنسان أن يعرف كيف يخطط وينظم ويتابع، لكنه يظل بحاجة إلى تصور أوسع يفسر حركة التاريخ، وقوانين الاجتماع، وطبيعة الدولة، وبنية الاقتصاد، وموازين القوة في العالم.
ومن هنا ظهر المبدأ المحوري: لا يصح أن تكون الأفكار شاهدة على نفسها. فالأفكار المتعلقة بالإيمان والعبادة لها مجالها، أما الأفكار التي تتصل بالسياسة والاجتماع والاقتصاد وإدارة الواقع، فلا بد أن تختبر بأدوات التحليل، وبالتاريخ، وبالتجارب الإنسانية التي أثبتت فاعليتها أو كشفت عن إخفاقها.
لقد أشار مالك بن نبي إلى أزمة عالم الأفكار وإلى قابلية الاستعمار، لكنه ترك سؤالا عمليا مفتوحا: ما المعارف التي يحتاجها الإنسان كي يتحرر فكريا من هذه القابلية؟ جاء مشروع النهضة ليقترح مسارا تأسيسيا يجيب عن هذا السؤال، لا باعتباره بديلا عن الصناعة والزراعة والتجارة، بل باعتباره محاولة لتوفير الإطار الفكري الذي يسمح بفهم العصر والعبور فيه.
التعريف بالدكتور جاسم
ينتمي الدكتور جاسم محمد السلطان إلى جيل اشتغل طويلا على أسئلة النهضة والوعي والتكوين القيادي. امتدت رحلته المعرفية لعقود من القراءة والتلخيص والمراجعة في التاريخ والسياسة والاقتصاد والاجتماع والفلسفة والجيوسياسة والعلوم الإنسانية، ثم تحولت هذه المادة إلى سلسلة من الكتب والبرامج المعرفية.
جوهر هذا الجهد هو اختصار الطريق أمام الشباب والمهتمين بالشأن العام. فلا يحتاج الإنسان إلى أن يقضي عشرات السنين في الضياع بين آلاف الكتب قبل أن يعرف الأساسيات. توجد معارف لا يضر الجهل بها كثيرا في البداية، وتوجد معارف تأسيسية لا يمكن بناء وعي حضاري من دونها. وهذه هي المنطقة التي ركز عليها مشروع النهضة.
المقصود ليس إنشاء عقل مغلق يكتفي بقائمة كتب أو مناهج مقررة، بل بناء قاعدة تسمح للإنسان بمواصلة رحلته بوعي. بعد امتلاك الأساسيات يستطيع أن يقرأ لأي مفكر، وأن يدرس أي مدرسة، وأن يختلف أو يوافق، من غير أن يقع في التشتت أو أسر الشعارات.
ويظهر في هذا المسار اهتمام واضح بإعداد القادة، لا بوصف القيادة مهارة خطابية أو قدرة على الظهور، بل بوصفها قدرة على فهم الواقع، وتحديد الأولويات، واتخاذ القرارات ضمن القيود الفعلية. ويمكن الرجوع إلى الموقع الرسمي للدكتور جاسم السلطان للتعرف إلى جانب من أعماله وبرامجه الفكرية.
كما تقدم بعض المبادرات التدريبية مسارات متصلة بهذا الاتجاه، ومنها برنامج البناء الثقافي لقادة النهضة، الذي يركز على تعديل التصورات، وتحليل مجتمعات النهوض والتخلف، وتطوير أدوات القيادة.
مشروع النهضة – الرؤية والأسس
يتميز مشروع النهضة بأنه مشروع مركز، لا يدعي أنه يعالج كل الملفات دفعة واحدة. فهناك مشاريع إصلاحية اهتمت بالتعليم، وأخرى اهتمت بالاقتصاد أو التصنيع، وأخرى عالجت الاستبداد أو قدمت تشخيصا لأمراض المجتمعات. لكن المسألة التي بقيت تحتاج إلى مزيد من التفصيل هي: كيف يبني الفرد نفسه معرفيا ليصبح نافعا في مسار النهوض؟
الإجابة ليست في مطالبة الشاب بقراءة مليون كتاب، ولا في تركه لتخمين الطريق بين المدارس المتعارضة. المقصود هو تقديم خارطة تأسيسية: يبدأ من هنا، وينتهي إلى هنا، ثم ينطلق بعدها في حياته العلمية والعملية وهو يملك أدوات تحليل تساعده على رؤية العالم من زوايا متعددة.
من جناح واحد إلى جناحين
لا يكفي فهم النص من دون فهم الواقع الذي ينزل فيه النص. فالعلوم الشرعية تقدم للإنسان أساسا مهما في الإيمان والقيم والمقاصد، لكنها لا تغني عن دراسة العالم المعاصر بكل تعقيداته. ولهذا فإن الطيران بجناح واحد لا يكتمل.
- الجناح الأول: فهم الدين والنص والقيم والمقاصد.
- الجناح الثاني: فهم التاريخ والسياسة والاقتصاد والاجتماع والجيوسياسة والعلوم الإنسانية.
بهذين الجناحين يستطيع الإنسان أن يميز بين الثابت والمتغير، وبين القيمة التي ينبغي حفظها والأداة التي يجب تطويرها. أما اختزال الدين في أجوبة جاهزة لكل المشكلات الحديثة، فهو يحمّل نصوص العصور السابقة أسئلة لم تكن مطروحة في بيئاتها أصلا.
لا يمكن مطالبة إنسان عاش في العصور الوسطى بأن يجيب عن تعقيدات الدولة الحديثة، والاقتصاد العالمي، وشبكات التمويل، والأنظمة الرقمية، والعلاقات الدولية المتشابكة. احترام التراث لا يعني العيش فيه. دراسة الماضي ضرورة، لكن تحويله إلى بديل عن قراءة الحاضر خطأ في منهج التفكير.
الواقع هو معيار الفاعلية
الأفكار لا تثبت صحتها لأنها جميلة في الكتب أو لأنها تحظى بإعجاب أصحابها. الواقع هو الذي يكشف فاعلية التصورات وضعفها. قد تبدو النظرية متماسكة جدا، لكن حين تنزل إلى السياسة والاقتصاد وإدارة المجتمع تتعثر لأنها لا تراعي طبيعة العصر ولا موازين القوة ولا مصالح الأطراف.
هذه ليست دعوة إلى التخلي عن المبادئ، بل دعوة إلى تحويل المبادئ إلى سياسات قابلة للحياة. فالفكرة التي لا يمكن صرفها في واقع الناس تشبه عملة لا يقبلها السوق. وقد يكون لها بريق نظري، لكن قيمتها العملية تظل محدودة.
لهذا يركز مشروع النهضة على أدوات التحليل، وعلى الوعي التاريخي، وعلى قوانين الاجتماع، وعلى حركية التاريخ. فالإنسان لا يملك أن يعيد تركيب العالم كما يشتهي. إنه يدخل عالما قائما، له مؤسسات وقوى وتحالفات وحدود وقواعد صراع، وعليه أن يفهمه لكي يعبر منه بذكاء.
للمزيد من النقاشات المتصلة بالوعي والتحليل يمكن استكشاف قسم القضايا الفكرية، الذي يجمع موضوعات متنوعة حول بناء الرؤية ومراجعة الأفكار.
تجربة سوريا – الدروس والمستقبل
تبدو التجربة السورية واعدة من زاوية مهمة: أنها قدمت تطبيقا عمليا لفكرة أن الأمل لا ينبغي أن ينهزم أمام تعقيد الواقع. فقد مر المجتمع السوري بسنوات قاسية من التهجير والقتال والانقسام والانهيار، ومع ذلك بقيت عناصر القوة موجودة: كتلة بشرية كبيرة، وقوى فاعلة على الأرض، وارتباطات إقليمية، ونظام متآكل لا يحمل مشروعا قابلا للاستمرار.
لكن تحويل الفرصة إلى نجاح يحتاج خطابا يفهمه العالم. الحديث عن الحرية، ووحدة سوريا، وحقوق مواطنيها، وعدم فتح معارك خارجية، ليس تنازلا عن المصالح الوطنية، بل لغة سياسية تستطيع أن تبني جسورا وتفتح مجالات تفاوض وتعاون.
إن نجاح أي قيادة في مرحلة انتقالية لا يقاس فقط بحسن الخطاب الأول، بل بقدرتها على إدارة ما يأتي بعد الهدوء. لحظة الخطر الكبرى تبدأ أحيانا بعد انتهاء المعركة المشتركة، لأن القوى التي اتفقت على هدف التحرير قد تختلف جذريا حول شكل الدولة، وهوية المجال العام، والعلاقة بين الدين والسياسة، وحقوق المكونات المتعددة.
الأسئلة المؤجلة أخطر من الأسئلة الظاهرة
توجد ملفات قد تبدو ثانوية في لحظة البناء الأولى، لكنها قابلة للتحول إلى مصادر صراع إذا لم تعالج بعقلانية. ومن هذه الملفات:
- شكل الهوية الوطنية والرموز الجامعة للدولة.
- العلاقة بين الأكثرية والأقليات، بين العدد والتأثير والامتدادات الإقليمية.
- طبيعة القوانين الاجتماعية ومجال الإلزام وحدود السلطة.
- إدارة الدين العام، والخطاب في المساجد، وتنوع الاتجاهات العقدية والفقهية.
- إعادة الإعمار والديون والتمويل الدولي في واقع اقتصادي شديد التعقيد.
- الحدود الدولية والالتزامات الإقليمية وطبيعة العلاقة مع العالم.
- مكانة النساء في الفضاء العام والتعليم والعمل والمؤسسات.
هذه القضايا لا تحل بالمنطق القائل إن التصويت العددي وحده يمنح الشرعية الكاملة لفعل أي شيء. فقد تصوت الأكثرية على خيار يضر البلد، لأن الأقليات ليست مجرد أعداد. لها حضور اجتماعي وعلاقات وتأثيرات وامتدادات في محيط أوسع، وأي إقصاء لها قد يفتح أبوابا لا يمكن السيطرة عليها.
الوعي السياسي يقتضي إدراك أن الدولة ليست جماعة انتصرت فحسب، بل عقد جامع بين مواطنين متنوعين. وكلما اتسع هذا العقد وارتكز إلى الكرامة الإنسانية والتعاقد والعدل، زادت فرص الاستقرار.
دروس من تجارب سابقة
لا معنى لتكرار التجارب المريرة إذا كانت دروسها متاحة. فمحاولات فرض التدين بطريقة فوقية أو قسرية مرت بها دول متعددة، من إيران إلى السودان والسعودية، وأظهرت أن النوايا لا تكفي حين تكون الدولة والمجتمع أكثر تعقيدا من التصور الأيديولوجي الضيق.
المشكلة ليست في وجود التدين في المجتمع، بل في الخلط بين الإيمان وبين تحويل جهاز الدولة إلى أداة إكراه دائم. كما أن المشكلة ليست في رفع الشعارات الإسلامية، بل في العجز عن تقديم حلول واقعية للاقتصاد والتعليم والإدارة والتعددية والعلاقات الخارجية.
ولهذا تحتاج سوريا إلى لجان علمية متنورة واستباقية، لا تنتظر انفجار الأسئلة حتى تبدأ التفكير فيها. فالكهرباء والماء والأمن والخبز ملفات عاجلة، لكنها لا ينبغي أن تحجب الانتباه عن الألغام الفكرية والاجتماعية التي قد تفكك المشروع من الداخل.
مقومات القوة السورية
لا تخلو سوريا من عناصر إيجابية مهمة. فقد عاش كثير من السوريين في بلدان متعددة، واكتسبوا خبرات مهنية وعلمية واسعة، وتكونت لديهم صلات بمجتمعات متقدمة. كما أن سوريا منطقة تاريخية التقت فيها الحضارات والأعراق والأديان، وهذا التنوع يمكن أن يصبح مصدر ثراء إذا أحسن إدارته.
ثم إن تجربة اللجوء والاغتراب جعلت قيمة الوطن أكثر وضوحا. فغياب الوطن ليس تفصيلا في حياة الإنسان، بل فقدان للأمن والكرامة والاستقرار. ويمكن لهذه الخبرة القاسية أن تتحول إلى طاقة بناء إذا وجدت قيادة قادرة على توجيهها بعيدا عن التطرف والانقسام.
الذكاء هنا هو فهم العالم للعبور فيه، لا فهمه للاستسلام له. أن تكون دولة صغيرة بين عمالقة ليس عيبا، لكن أن تكون صغيرة ولا تدرك قواعد اللعبة فذلك هو الخطر. الذكاء السياسي يعني معرفة المعارك التي ينبغي تجنبها، والمعارك التي قد تخسر في جزء منها لتربح في مسار أوسع.
تحديات النهضة في العالم العربي
الأمل ليس ترفا، واليأس ليس حلا. ما دام الإنسان حيا فلا بد أن يملك قضية يدافع عنها ومعنى يدفعه إلى النهوض. والمنطقة العربية ليست استثناء من التاريخ. هناك أمم خرجت من أوضاع شديدة القسوة، رغم الكثافة السكانية والانقسام العرقي والحروب الأهلية والفقر والأمية والتدخل الخارجي.
تقدم الصين مثالا على إمكان العبور رغم الأعباء الهائلة، وتقدم سنغافورة مثالا آخر على أن المساحة الصغيرة والوجود بين قوى ضخمة لا يمنعان بناء نموذج ناجح. ليست القضية إذن: هل يمكن؟ بل: ما الشروط الموضوعية التي تحول الإمكان إلى خطة عملية؟
عقدة الصراع تغيرت
أحد أكبر أخطاء التفكير العربي هو تصور الصراع الحديث بوصفه صراعا بين شجاعة وشجاعة فقط. في الأزمنة القديمة كان السيف يقابل السيف، والخيل تقابل الخيل، وكان للبطولة الفردية مجال أوسع. أما اليوم فإن شخصا جالسا خلف شاشة يستطيع تحريك طائرة مسيرة أو إدارة شبكة أو توجيه سلاح دقيق يغير مسار المعركة.
البطولة الحقيقية في العصر الحديث ليست فقط في الخطوط الأمامية. إنها أيضا في المختبرات، وفي الجامعات، وفي المصانع، وفي مراكز البحث، وفي أنظمة التعليم التي تربي طفلا قادرا بعد سنوات على أن يصبح عالما أو مهندسا أو صانعا أو باحثا.
ولهذا فإن حماية العلماء وبناء المؤسسات البحثية لا تقل أهمية عن حماية الجنود. فالخطوط الأمامية هي ثمرة الخطوط الخلفية. ولا يمكن شراء التقنية كما يشترى أي منتج جاهز، لأن التقنية منظومة كاملة تبدأ من البيت والمدرسة، ثم الجامعة والبحث العلمي، ثم الصناعة، ثم القرار السياسي والعسكري.
القوة السياسية لا تنفصل عن القوة الإنتاجية
وزن أي لاعب سياسي في العالم لا يقاس بحسن خطابه فقط. يقاس بما يقف خلفه من قدرة صناعية وعلمية واقتصادية وعسكرية. وكلما ضعفت هذه البنية صار التفاوض مجرد طلب حسن معاملة من قوى تملك أدوات الضغط.
وهذا يفسر لماذا لا تكفي التضحية وحدها لحسم الصراعات. لا يوجد نقص في الشجاعة أو الحماسة في المنطقة، لكن الحماسة حين لا تتصل بعقل استراتيجي وبنية مؤسسية قد تتحول إلى أداة تستغلها قوى أخرى ضد أصحابها.
إن مشروع النهضة لا يطلب من المجتمعات التخلي عن القيم، بل يطالبها بربط القيم بالقدرة. فالعدل يحتاج مؤسسات، والكرامة تحتاج اقتصادا، والاستقلال يحتاج معرفة وإنتاجا، والقرار السياسي يحتاج وزنا فعليا.
أزمة الإدارة وعقلية الواسطة
من التحديات الداخلية أن مؤسسات حديثة كثيرة تعمل بعقلية تقليدية. قد توجد بنوك ووزارات وجامعات ولوائح، لكن الناس تظل تسأل: من يعرف من؟ ومن يستطيع أن يتوسط؟ فيتحول القانون إلى واجهة، وتصبح العلاقات الشخصية هي الطريق الحقيقي لإنجاز الحقوق.
أما المجتمع الذي عبر إلى العصر، فيفترض أن يكون النظام فيه هو المرجع. إذا كانت لدى الإنسان مشكلة في مؤسسة، فهو يتجه إلى الإجراءات والقوانين، لا إلى البحث عن شخص نافذ. هذا التحول ليس تفصيلا إداريا، بل هو انتقال من نظام القرية والعصبية إلى نظام الدولة والمؤسسة.
العبور إلى العصر يعني أن يعرف المواطن حقوقه، وأن يعرف الموظف واجباته، وأن تكون الإجراءات أقوى من المزاج الشخصي. وعندما تصبح القواعد واضحة تقل الحاجة إلى الوساطة، ويزداد شعور الناس بالعدل والانتماء.
النجاح بالنقاط لا بالضربة القاضية
تنتظر مجتمعات كثيرة حلا سحريا أو ضربة قاضية تنهي التخلف دفعة واحدة. لكن التاريخ الحديث لا يعمل بهذه الطريقة. النهضة تراكم طويل في التعليم والصناعة والإدارة والبحث العلمي والاستقرار والتجارة. لا يمكن القفز إلى الدكتوراه من دون المرور بمراحل التكوين الأساسية.
القوى التي تبدو اليوم كبيرة لم تصل إلى موقعها فجأة. بنت قدرتها بالتدرج، وتعلمت من أخطائها، واستثمرت في المستقبل، وراكمت أدواتها. ولذلك فإن الرهان الصحيح ليس على انفجار لحظي، بل على نفس طويل يضيف نقطة فوق نقطة.
هذا المعنى لا يلغي الطموح، بل يحميه من الوهم. فالنجاح بالنقاط يحتاج صبرا وانضباطا ووضوحا في الأولويات، ويحتاج كذلك إلى القدرة على عدم الانجرار إلى كل معركة. أحيانا يكون تجنب الخسارة جزءا من الانتصار.
دور المفكرين والمثقفين
تحدث أرنولد توينبي عن قانون الأقلية المبدعة. فالتجديد في المجتمعات لا يبدأ عادة من الجميع، بل من فئة تنتج أفكارا وحلولا تناسب عصرا جديدا. لكن هذه الأقلية لا تستطيع وحدها أن تصنع التحول إذا لم تستجب لها كتلة اجتماعية، وإذا لم توجد قيادة سياسية تعرف كيف تحمي الاتجاه المستقبلي وتستفيد منه.
المسار يضم ثلاثة أطراف متلازمة:
- مفكرون ومبدعون يقرأون الواقع وينتجون حلولا جديدة.
- مجتمع مستعد لتلقي الأفكار النافعة وتحويلها إلى سلوك ومؤسسات.
- قيادة سياسية توازن بين القوى، وتحمي مسار التحديث من قوى الشد إلى الخلف.
تقدم التجربة الماليزية صورة مهمة في هذا الباب. فقد طُرحت فكرة الإسلام الحضاري بوصفها بديلا عن اختزال الدين في الحدود والمظاهر فقط. ركزت الرؤية على العدل، والتعاقد، والحشمة المشتركة، والعيش المنظم بين مكونات المجتمع المختلفة، والاستفادة من الكفاءات العلمية في توجيه المجال الديني والثقافي.
لم يكن كافيا القول إن الخطاب التقليدي غير مناسب، بل كان المطلوب إنتاج بديل حي يقدم معنى إيجابيا للدين والدولة والمجتمع. وهذه وظيفة المفكر: لا يكتفي بنقد الخطأ، بل يقدم لغة جديدة قادرة على استيعاب الناس وتوجيههم نحو المستقبل.
ومع ذلك، لا تكون المعركة محسومة أبدا. فالقوى التقليدية أو العنصرية أو الإقصائية قد تعود في أي وقت إذا ضعف الوعي المؤسسي. حتى المجتمعات الغربية التي قطعت شوطا في التنظيم ما زالت تواجه تيارات عنصرية ومتطرفة، لكنها تحاول تقييدها بالقانون والوعي العام حتى لا تتحول إلى قوة مدمرة.
العمل الفكري المطلوب ليس انعزالا في الأبراج، ولا خطابة منقطعة عن الناس. إنه ربط أدوات التحليل بالأسئلة الواقعية: كيف تدار الدولة؟ كيف تحمى الكرامة؟ كيف ينمو الاقتصاد؟ كيف يحترم التنوع؟ كيف تبنى القوة العلمية؟ هذه هي الأسئلة التي تجعل الفكر جزءا من مشروع النهضة لا زينة ثقافية على هامشه.
ومن القراءات التي تفتح بابا في هذا المسار عرض التجارب الإسلامية في المشروع الفكري النقدي لجاسم سلطان، لما يتضمنه من مناقشة لعلاقة الفكر الإسلامي بالدولة القطرية الناجحة وبناء النموذج القيمي والمادي.
فقرة ختامية ورسائل شخصية
الشباب ليسوا كتلة واحدة. فهناك من يريد حياة مستقرة ووظيفة وأسرة، وهذا مسار طبيعي. وهناك من يحمل هما حضاريا ويبحث عن طريق للمشاركة في بناء المستقبل. الخطر أن يكون شاب مخلص النية لكنه يسير في الاتجاه الخطأ، لأنه لم يجد من يضعه على خارطة العصر.
من أخطر المشكلات أن تكون أقدام الإنسان خارج الواقع، وأن تكون ثقافته بعيدة عن أسئلة زمانه، وأن يبنى وعيه على الفرز والانقسام بدل التعاقد والاجتماع. عندها قد يظن أنه يقترب من النهضة، بينما هو يبتعد عنها كلما غرق أكثر في أجوبة لا تخص مشكلات الحاضر.
ينبغي دراسة التراث، فهو جزء من التكوين والهوية والخبرة الإنسانية، لكن لا ينبغي الذهاب للعيش فيه. ينبغي دراسة التاريخ لاستخراج الاعتبار، لا لتحويل كل تجربة مؤلمة إلى ابتلاء مجرد لا يعلمنا شيئا. فالاعتبار يعني أن نسأل: ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ وأي خطأ يجب ألا نكرره؟
ومن الكتب المقترحة لتكوين مدخل متوازن كتاب النسق القرآني ومشروع الإنسان، لأنه يعالج سؤال قدرة الإسلام على التعايش مع البشر وقدرة البشر على العيش في ظل الإسلام. ويأتي بعده كتاب من الصحوة إلى اليقظة، لأنه ينقل الإنسان من إدراك المشكلة إلى إدراك احتياجات النهضة بصورة أوضح.
كما تفيد القراءة في أعمال جمال حمدان، وخاصة استراتيجية الاستعمار والتحرير وشخصية مصر. ومن الكتب المهمة كذلك فقه السيرة لمحمد الغزالي، وفقه الجهاد ليوسف القرضاوي، وملخص بداية المجتهد ونهاية المقتصد الذي أعده جاسر عودة، وكتابات أحمد الريسوني في مقاصد الشريعة، وكتاب التصرفات النبوية السياسية لسعد الدين العثماني، والتاريخ الإسلامي الوجيز لمحمد سهيل طقوش، وأعمال محمد عابد الجابري عن العقل العربي، وكتاب علم الطريقة ليحيى محمد.
الحلم الكبير ليس أن تتحدث المنطقة طويلا عن النهضة، بل أن تعبر دولة واحدة عبورا صحيحا ومتوازنا إلى العصر. دولة تفهم العالم، وتبني العلم والصناعة والزراعة والتجارة، وتصون الكرامة الإنسانية لكل مواطنيها، بغض النظر عن الدين أو العرق أو المذهب أو الطائفة.
قيام نموذج واحد ناجح سيزيل أولا وهم الاستحالة، ثم يفتح الباب لتكرار التجربة في أماكن أخرى. هذه هي الرسالة العملية التي يحملها مشروع النهضة: لا يكفي أن نحلم، بل يجب أن نعرف كيف يتحول الحلم إلى معرفة، وكيف تتحول المعرفة إلى مؤسسة، وكيف تتحول المؤسسة إلى قدرة، وكيف تصبح القدرة طريقا للكرامة والحرية.
الأسئلة الشائعة
ما المقصود بمشروع النهضة؟
مشروع النهضة هو مسار معرفي تأسيسي يهدف إلى تزويد الفرد بأدوات تحليل تساعده على فهم التاريخ والواقع والسياسة والاقتصاد والمجتمع، ليصبح قادرا على المشاركة الفاعلة في نهوض مجتمعه.
هل يقتصر مشروع النهضة على العلوم الشرعية؟
لا. يؤكد المشروع أهمية العلوم الشرعية، لكنه يرى أن فهم العصر يحتاج أيضا إلى العلوم الإنسانية والتاريخ والسياسة والاقتصاد والاجتماع والجيوسياسة، لأن الواقع المعاصر لا يفهم بجناح واحد.
ما أهم درس من التجربة السورية في مشروع النهضة؟
أهم الدروس أن النجاح الأول لا يكفي. ينبغي الاستعداد لمرحلة ما بعد الصراع، وإدارة التعددية، وبناء دولة تعاقدية، وتجنب إعادة إنتاج أخطاء التجارب التي سعت إلى فرض تصور ضيق للدولة والمجتمع.
لماذا لا تكفي الحماسة والبطولة لتحقيق النهضة؟
لأن عقدة الصراع الحديث ترتبط بالمعرفة والتقنية والإنتاج والبحث العلمي والمؤسسات. الحماسة مهمة، لكنها تصبح أكثر فاعلية حين تسندها بنية علمية واقتصادية وقدرة سياسية متراكمة.
ما الرسالة الأهم للشباب المهتم بالنهضة؟
أن يدرس الماضي دون أن يعيش فيه، وأن يضع قدميه على أرض الواقع، وأن يتعلم أسئلة عصره وأدواته، وأن يميز بين النقد الذي يكرر العجز والعمل المعرفي الذي يصنع بدائل قابلة للحياة.
This article was created from the video مشروع النهضة والتجربة السورية | د. جاسم السلطان | بودكاست حمزة with the help of AI.






