تحليل سياسي

رحلة أحمد الشرع من الثورة الى بناء الدولة السورية الحديثة

تتشكل السير السياسية الكبرى عادة عند التقاء الجغرافيا الشخصية بأسئلة التاريخ العام. وفي مسيرة أحمد الشرع، تبرز دمشق والجولان والعراق وإدلب بوصفها محطات لا تنفصل عن بعضها: طفولة في حي المزة، وذاكرة عائلية مثقلة بالنزوح من الجولان، وانشغال مبكر بقضايا فلسطين وسوريا، وتجربة عراقية قاسية، ثم عودة إلى سوريا في لحظة الثورة، وصولا إلى مشروع بناء المؤسسات وإدارة المرحلة الانتقالية بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024.

هذه المسيرة لا تقدم نفسها باعتبارها خطا مستقيما أو قصة انتصارات متصلة. بل تقوم على التحولات والمراجعات والخسائر والتعلم من الأخطاء. وفي قلبها فكرة ثابتة تتكرر بأشكال مختلفة: أن الدفاع عن الناس، ورفع الظلم عنهم، وبناء قدرة سياسية ومؤسساتية تحميهم، أوسع وأعمق من الانتماء الجامد إلى تنظيم أو حزب أو قالب أيديولوجي مغلق.

أهم الخلاصات

  • تشكلت رؤية أحمد الشرع في بيئة دمشقية متعلمة، مع ذاكرة عائلية للنزوح من الجولان وحضور دائم لقضية فلسطين.
  • دفعت تجربة العراق والسجن إلى مراجعة نقدية للجماعات المسلحة، والابتعاد عن استنساخ تجاربها في الواقع السوري.
  • مثلت إدلب مختبرا للجمع بين العمل العسكري والإدارة المدنية والمؤسسات، قبل التحضير لمعركة ردع العدوان.
  • تتمحور أولويات المرحلة التالية للتحرير حول ضبط السلاح، والسلم الأهلي، وبناء دولة تقوم على القانون ودمج السوريين.

المزة: الاستقرار الأول وذاكرة الانتماء

في حي المزة الدمشقي نشأت أولى طبقات الذاكرة. فالانتماء إلى المكان، في تصورأحمد الشرع، لا يتكون من العنوان وحده، بل من الاستقرار الطويل الذي يتيح للإنسان أن يتذكر الأشجار والجدران والطرقات والمدرسة ومسار الذهاب إلى المسجد. عاش الشطر الأول من حياته في هذا الحي، بعد ولادته في السعودية وعودته إلى دمشق في سن السابعة تقريبا، حيث بدأ المرحلة الابتدائية.

كان حي المزة، ولا سيما المناطق التي نشأت في الأصل عبر الجمعيات السكنية للفئات المهنية والموظفين، بيئة ذات تركيبة اجتماعية خاصة. ضمت موظفين ومتعلمين وأصحاب مهن وتجارا ومسؤولين، ثم تغيرت تركيبتها تدريجيا مع بيع الشقق وانتقال ملكيتها. ولذلك جمع الحي بين طبقة وسطى وما فوق الوسطى، وبين تنوع اجتماعي وثقافي أوسع من الصورة النمطية للأحياء المتجانسة.

لم يكن هذا التنوع يعني انعدام التوتر السياسي. فقد ساد، بحسب توصيفه، شعور عام بالرفض الصامت لحكم النظام البعثي، حتى في أوساط عائلات مرتبطة بمؤسسات الدولة. لم يكن ذلك الرفض يتحول بالضرورة إلى فعل سياسي مباشر، لكنه كان جزءا من المزاج الاجتماعي الدمشقي: نفور من القمع، وإدراك لثقل السلطة، وشعور بأن البلاد تستحق حالا أفضل.

أسرة متعلمة وجرح جولاني مفتوح

نشأ أحمد الشرع في أسرة تهتم بالتعليم والثقافة. والده حسين الشرع درس الاقتصاد والعلوم السياسية، وعاش تجربة لجوء سياسي إلى العراق في شبابه بعدما كان مطلوبا من النظام البعثي في سوريا. أما والدته فكانت معلمة للجغرافيا، وحملت اهتماما أدبيا تجلى في كتابة الشعر والنثر. وفي هذا المناخ، كان التعليم جزءا من ثقافة البيت لا مجرد وسيلة للترقي الوظيفي.

لكن البعد الأعمق في تكوين العائلة كان نزوحها من الجولان بعد الاحتلال الإسرائيلي عام 1967. فقد خسرت الأسرة أملاكا وحياة سابقة، واضطرت إلى البدء من جديد. والنزوح، كما يراه أحمد الشرع ، ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل عملية قاسية تصفر التاريخ الاجتماعي للعائلات. يخرج الناس أحيانا بما استطاعوا حمله من ثياب وضرورات، ثم يبدأون حياة جديدة قد تنجح أو تتعثر، لكنها تنفصل عن المسار الذي سبقها.

هذه التجربة العائلية صنعت حضورا يوميا للجولان في البيت. لم يكن الحديث عن الأرض المحتلة مناسبة عابرة، بل ذاكرة مستمرة عن الطبيعة والوديان والخضرة والأنهار وأمل العودة. ومن هنا ارتبطت الهوية الشخصية بسياق أوسع يضم الجولان وفلسطين، ويربط ألم التهجير الخاص بمأساة إقليمية أكبر.

من القومية العربية إلى الأسئلة المفتوحة

كان الوالد ذا ميول ناصرية وقومية عربية، بعيدا عن التيارات الإسلامية. وقد ترك هذا الخطاب أثره في تشكيل الحس السياسي المبكر، لأنه وضع أمام الابن فكرة القضية العامة، وقيمة التضحية من أجل الشعوب، وأولوية فلسطين في الوعي العربي. غير أن الخطاب القومي، رغم هذا الأثر، لم يقدم جوابا مقنعا عن أسئلة المرحلة أو عن أسباب الهزائم المتكررة.

ظهر في نظره أن التجارب القومية العربية حملت وعودا كبرى، لكنها انتهت في كثير من الحالات إلى نكسات وانغلاقات وخيبات. ولم يكن الاعتراض على مبدأ الاهتمام بقضايا الأمة، بل على عجز التجربة السياسية عن تحويل الشعارات إلى نتائج واقعية. وهنا بدأ البحث عن إطار أخلاقي وفكري أكثر قدرة على الإجابة عن سؤال الواجب الفردي والجماعي.

التدين المبكر: سؤال الواجب قبل الانتماء

في مطلع الألفية، كان الإقليم يعيش ضغطا متصاعدا: الانتفاضة الفلسطينية الثانية، مشاهد قتل المدنيين والأطفال، الحرب في أفغانستان، ثم التحضير لغزو العراق. وفي هذه الأجواء بدأ تحول ديني وفكري في سن تقارب السابعة عشرة أو الثامنة عشرة، بعد انتهاء المرحلة الثانوية.

لم يبدأ الأمر بانضمام تنظيمي، بل بأسئلة وجودية وسياسية متداخلة: لماذا خلق الله الإنسان؟ ما مسؤوليته في الحياة؟ وهل تنحصر الحياة في العمل والأكل والشرب ثم الموت؟ ومع صور الظلم التي كانت تملأ المنطقة، اتخذ السؤال صيغة أكثر مباشرة: ما الذي ينبغي فعله لخدمة الناس والدفاع عن المظلومين؟

كان جامع الأكرم في المزة محطة مهمة في هذه المرحلة. واظب أحمد الشرع على صلاة الفجر في حي لم يكن التدين فيه ظاهرة واسعة بين الشباب. وكان يقطع الطريق إلى المسجد في ساعات البرد والهدوء، يفكر طويلا في حجم الواجبات وفي المسار الذي ينبغي أن يسلكه. ولم تكن هذه العزلة انسحابا من الواقع، بل شكلا من أشكال البحث عن موقع فردي وسط منطقة مضطربة.

وتلقى في تلك الفترة دروسا في تفسير القرآن على يد شيخ ركز على المعاني العامة والقراءة المتأنية للنص، لا على تلقين القواعد الجامدة. وقد ساعده ذلك في بناء بوصلة أخلاقية تربط التدين بمسؤولية الإنسان تجاه المجتمع، بدلا من اختزاله في مظاهر العبادة وحدها.

التحفظ على التجارب الإسلامية المغلقة

يفصل أحمد الشرع بوضوح بين الإسلام بوصفه منظومة قيم ومبادئ، وبين التجارب الإسلامية بوصفها اجتهادات بشرية قابلة للخطأ. فخدمة الناس، والدفاع عنهم، ورفع الظلم، مبادئ تحض عليها الأديان والقيم الإنسانية. أما تحويل اجتهادات جماعات أو أفكار كتبت في سياقات مختلفة إلى قواعد مقدسة لا تقبل المراجعة، فيراه مدخلا إلى الفشل والانفصال عن الواقع.

هذا الموقف لم يتبلور دفعة واحدة، لكنه صار لاحقا أساسا في نقد الحركات والتنظيمات ذات البناء الفكري المغلق. فالواقع السوري والعراقي، كما خلص من تجربته، لا يمكن التعامل معه باستدعاء قوالب جاهزة. لكل حدث ظروفه، ولكل مجتمع تركيبته، والعمل السياسي يحتاج إلى تحليل دقيق وأخلاق تضبط القوة، لا إلى تكرار شعارات لا تراعي تغير الزمن.

  • المبدأ الثابت: حماية الناس ورفع الظلم وخدمة المجتمع.
  • المسار المتغير: مراجعة الوسائل والأفكار بحسب الواقع والنتائج.
  • الضابط الأخلاقي: منع التعدي وتقييد نزعات الانتقام والخصومة.
  • الدرس السياسي: الجمود الفكري يحول الاجتهاد البشري إلى عبء على الواقع.

العراق 2003: تجربة الحرب والسجن والمراجعة

مع اقتراب الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، اتخذ أحمد الشرع قرار الذهاب إلى هناك وهو في نحو العشرين من عمره. لم يكن القرار، بحسب روايته، ثمرة ترتيب تنظيمي محكم أو معرفة دقيقة بالواقع العراقي، بل استجابة مباشرة لفكرة أداء الواجب قبل أن تتغير الظروف وتغلق الطرق.

غادر من دون علم أسرته، بعد أن ترك رسالة خطية، ووصل إلى العراق بصورة طبيعية عبر جواز سفره. وهناك دخل بيئة مختلفة جذريا عن سوريا: مجتمع عشائري واسع، وحرب احتلال، وتعقيدات اجتماعية وسياسية وطائفية وأمنية لا تختصر في صورة واحدة. وقد تركت فيه معرفة المجتمع العراقي، وكرم أهله وعاداتهم، أثرا لا يقل عن أثر التجربة العسكرية نفسها.

كان الدافع المعلن هو الدفاع عن المدنيين أمام الاحتلال، في ضوء ما رافق الاحتلالات في المنطقة من أذى للنساء والأطفال والمجتمعات. لكن الحرب العراقية سرعان ما تحولت إلى واقع أمني شديد التعقيد، وظهرت فيها أخطاء وانحرافات كثيرة. ولم يكن في موقع مسؤولية عليا في تلك المرحلة، لكنه راقب عن قرب طريقة عمل الجماعات المسلحة وخطاباتها وأولوياتها وعلاقاتها بالناس.

اسم مستعار وإرث عائلي

دخل السجن باسم عراقي مستعار هو «أمجد مظفر حسين». وكان للاسم صلة بذاكرة والده الذي استخدم في شبابه اسم «أمجد مظفر» في مراسلاته من بغداد، تفاديا لملاحقة الأمن السوري. وعلى نحو لافت، عاد الاسم المستعار في جيل جديد وفي سياق مختلف، ليصبح جزءا من تجربة السجن التي امتدت نحو خمس سنوات.

السجن بوصفه مساحة للقراءة وإعادة البناء

لم يصف السجن بوصفه عزلة كاملة عن الحياة، بل باعتباره عالما له قواعده وتعقيداته الخاصة. في البداية انشغل بفكرة الخروج وموعده، ثم وصل إلى تسوية داخلية مع الزمن: البقاء حتى يأتي الفرج، واستثمار الساعات بدلا من استنزافها في الانتظار. عندها تحول الوقت إلى مورد نادر، حتى تمنى أن يصبح اليوم ثماني وأربعين ساعة.

انصرف إلى القراءة والكتابة في التاريخ والتفسير والفلسفة والروايات، مستفيدا مما كان متاحا من الكتب، ومنها مؤلفات تاريخية مثل تاريخ الطبري وابن كثير. كما كتب ملاحظات ورسائل أدبية غير مباشرة لمن حوله، إذ لم يكن يميل إلى النصيحة الفجة. وكانت الرسائل تتناول سلوكا أو خللا يراه، بصيغة تحفظ كرامة المتلقي وتتيح له التفكير.

وفي بيئة السجن، حاول أيضا المساهمة في ضبط تدريس العلوم الإسلامية، بعدما رأى فوضى في نقل المعلومات وادعاءات تعليمية بلا تحقق أو كفاءة. فتعاون مع مجموعة مهتمة لترتيب عملية التدريس وتوثيقها. ومن هذه الممارسات الصغيرة تبلورت نزعة تنظيمية تقوم على قواعد واضحة، وتفترض أن حسن النية لا يكفي لبناء معرفة صحيحة أو إدارة فعالة.

الاستنتاج المركزي من العراق

المراجعة الأهم التي خرج بها تتعلق بالعلاقة بين الجماعات المسلحة والمجتمع. فقد رأى أن بعض الفصائل، حتى عندما كانت تقاتل قوات الاحتلال، أضرت بنفسها وبالقضية التي رفعتها بسبب سوء التعامل مع الناس والقسوة والضيق الفكري وغياب الرؤية السياسية. فالقتال لا يمنح مشروعية دائمة إذا انفصل السلوك عن مصالح السكان وكرامتهم.

ومن هنا تبلورت قناعة بعدم نقل نموذج العراق إلى سوريا. لكل بلد شروطه وتاريخه وتركيبته، وأي مشروع سوري لا بد أن ينطلق من خصوصية المجتمع السوري، لا من استنساخ تجربة حرب أخرى بكل صراعاتها وأخطائها.

العودة إلى سوريا: الثورة وبداية العمل من دمشق

عاد أحمد الشرع إلى سوريا في 21 أغسطس 2011، بعد نحو خمسة أشهر على انطلاق الثورة. دخل متخفيا، وأقام أولا فترة قصيرة في الحسكة، ثم مر بحلب قبل أن يصل إلى دمشق. وهناك أمضى قرابة عشرة أشهر في محاولة ترتيب عمل يستهدف إسقاط النظام من داخله.

لم يبدأ بشبكة واسعة، بل بخمسة أشخاص فقط. وهذه البداية المحدودة تحمل دلالة مهمة في فهم مسار العمل لاحقا: التوسع لم يكن نتيجة قوة جاهزة، بل نتيجة بناء تدريجي في ظروف الحرب والتشظي. وبعد دمشق، انتقل إلى دير الزور ثم الرقة وحلب وإدلب، مع تطور الصراع وتبدل خرائط السيطرة والتحالفات.

كانت سوريا في تلك المرحلة فضاء شديد التعدد. فالثورة لم تنشأ من بيئة واحدة أو من كتاب سياسي واحد، بل ضمت تيارات إسلامية ووطنية ومدنية ومحلية ومناطقية، إلى جانب شبكات دعم خارجية وفصائل صغيرة وكبيرة. وقد أنتج هذا التنوع طاقة شعبية كبيرة، لكنه أنتج أيضا تنافسا على النفوذ وتباينا في البرامج وتضاربا في مصادر التمويل والقرار.

المواجهة مع تنظيم الدولة: كلفة الانفصال عن المسار

ارتبطت بداية العمل في سوريا بعلاقات سابقة تشكلت في العراق، لكن أحمد الشرع وضع، وفق روايته، ضوابط للعمل السوري أهمها عدم استنساخ الواقع العراقي. ومع تطور الأحداث، دخل تنظيم الدولة إلى الساحة السورية حاملا تصورات أكثر تشددا وضيق أفق، وهو ما أدى إلى خلافات متصاعدة ثم صدام عسكري مباشر.

لم يكن الخلاف نظريا فقط. فقد تسبب الصراع في خسارة كبيرة وصلت، بحسب تقديره، إلى نحو 70% من القوة التي كانت معه آنذاك. كما أدى إلى قتل كثيرين، وإلى تأخير مسار الثورة وإدخالها في صراعات داخلية استنزفت طاقتها، وفتحت المجال لتدخلات إقليمية ودولية أوسع.

يربط أحمد الشرع بين صعود تنظيم الدولة وبين نتائج سياسية أوسع: فقد استفادت إيران وقوات الحرس الثوري من وجود التنظيم في التأثير في الرأي العام الدولي، ثم تطورت التدخلات وصولا إلى التدخل الروسي. وهكذا لم يكن الصدام مع التنظيم معركة داخلية محصورة، بل جزءا من تحول المشهد السوري إلى ساحة صراع متعددة الأطراف.

بعد هذه الخسائر، أعاد بناء العمل من قاعدة تقل عن الثلث. ولم يكن ذلك، في نظره، استعادة حرفية لما سبق، بل إعادة تأسيس على ضوء درس واضح: لا ينبغي تكرار الخطأ نفسه. فقد تخسر القوى في الحرب، لكن الخسارة تصبح مدمرة حين تتحول إلى نمط متكرر من دون مراجعة وتعديل.

من الفصائل إلى المؤسسات: إدلب بوصفها مختبر إدارة

لم يقتصر التفكير في إدلب على إدارة الحرب. فقد تشكلت فيها تجربة مؤسساتية أراد لها أن تثبت أن المناطق الخارجة عن سلطة النظام قادرة على تقديم نموذج إداري وخدمي ومعيشي مختلف. فإلى جانب العمل العسكري، جرى الاهتمام بالاقتصاد والخدمات والتعليم والبنية المدنية.

تضمنت التجربة مجالس شورى، وقوانين تنظيمية، وجامعات، ومشروعات صناعية، وأحياء سكنية، وطرقات وأسواقا. كما جرى الاعتماد على إدارة الموارد الاقتصادية والمنشآت العامة لتأمين جزء من احتياجات العمل العسكري والخدمي في بيئة شبه محاصرة. وبرزت الكهرباء بوصفها مثالا على الفارق في مستوى الخدمات، إذ كانت متوفرة في إدلب لساعات طويلة مقارنة بمناطق كثيرة خاضعة للنظام السابق.

لم تكن إدلب مجرد منطقة نفوذ، بل ساحة تدريب على أدوات الدولة. فالحرب، في هذا التصور، ليست عملية عسكرية خالصة، بل تحتاج إلى إعلام، ورأي عام، وإدارة مدنية، واقتصاد، ومؤسسات، وفريق قادر على الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الاستقرار.

التطور الفكري ليس تنازلا عن المبادئ

في مواجهة الانتقادات التي ترى التغير الفكري تراجعا أو تناقضا، يطرح أحمد الشرع رؤية معاكسة: الإنسان الذي لا يتطور ويتعلم من التجربة يظل أسير أفكار جامدة. التطور لا يعني التخلي عن المبادئ، بل مراجعة الأدوات والاستنتاجات في ضوء الوقائع. أما تثبيت الإنسان داخل عنوان قديم، أو مطالبة التجارب السياسية بأن تبقى كما بدأت، فهو في رأيه جزء من أسباب الفشل التي راكمتها المنطقة خلال القرن الماضي.

وفي هذا السياق، لا ينكر أن اسم «أبو محمد الجولاني» جزء من تاريخه. فالانتساب إلى الجولان يعبر عن جذور عائلية وهوية شخصية، والاسم الحركي ارتبط بمراحل قاسية حملت خسائر ودماء ومعاناة. غير أن السيرة، كما يقدمها، لا تختزل في اسم أو مرحلة، بل في مسار طويل من التحولات والمسؤوليات.

حملة 2019 وإعادة تشكيل القوة

شكلت الحملة العسكرية الروسية والسورية على إدلب بين عامي 2019 و2020 محطة شديدة القسوة. فقد خسر المقاتلون مناطق واسعة تقارب نصف المنطقة المحررة في شمال غرب سوريا. وكان ذلك بعد انهيار مناطق أخرى للمعارضة في درعا وحمص والقلمون والغوطة الشرقية، في سياق اتفاقات خفض التصعيد والحصار والتهجير.

لكن هذه الخسارة لم تتحول إلى نهاية للمشروع، بل إلى بداية مرحلة إعداد جديدة. شملت إعادة تأهيل القوى العسكرية، والعمل على دمج الفصائل ضمن قيادة أكثر توحيدا، وتطوير التدريب، والاهتمام بالصناعات العسكرية الذاتية لتقليل الاعتماد على الدعم الخارجي الذي كان محدودا أو متوقفا.

كان التحدي في دمج الفصائل كبيرا، إذ سبقته محاولات عديدة لم تفض إلا إلى نجاحات جزئية أو شكلية. غير أن ضيق الخيارات بعد حملة 2019 جعل الحاجة إلى التوحيد أكثر إلحاحا. واعتمدت المقاربة على توحيد الأداء العسكري عمليا، لا على دمج الأسماء والشعارات فقط.

فصل العسكري عن المدني

كان أحد مفاتيح هذه المرحلة فصل الإدارة المدنية عن التشكيلات العسكرية. فحكومة الإنقاذ تولت إدارة الشأن المدني، فيما تركز وجود الفصائل في المعسكرات والجبهات. وخفت المظاهر العسكرية داخل المدن، وأديرت الحواجز مركزيا مع تدريب العاملين فيها، حتى في أساليب التعامل مع المواطنين.

أتاح هذا الفصل تخفيف الصراع على النفوذ المحلي، لأن الفصائل لم تعد تتنافس على تفاصيل الإدارة اليومية والخدمات. كما خلق قاعدة مؤسساتية مهدت لتوسيع التنسيق العسكري، وأسست لفكرة أن المجتمع لا يجب أن يبقى رهينة حالة الفصائل المتعددة.

معركة ردع العدوان: الإعداد قبل المفاجأة

جاءت معركة «ردع العدوان» في سياق سياسي بدأ، في ظاهره، غير موات للعمل العسكري. فمسار المصالحات مع النظام السابق كان حاضرا لدى أطراف عربية وإقليمية، وتركيا كانت تواجه ضغوطا داخلية مرتبطة بملف اللاجئين السوريين، كما كان هناك تخوف من أن يؤدي أي تصعيد إلى موجات نزوح جديدة وقصف روسي واسع.

غير أن القرار، بحسب ما يقدمه أحمد الشرع، اتخذ باستقلال عن هذه المناخات، ولم يكن ثمرة دعم خارجي مباشر كما روجت بعض القراءات. كانت لدى الأطراف الإقليمية مخاوف من فشل العملية وكلفتها الإنسانية، وكان المسار السياسي يبدو بالنسبة إلى كثيرين أكثر واقعية. لكن الرهان كان مختلفا: النظام لا يملك القدرة أو الإرادة التي تجعله شريكا حقيقيا في حل سياسي مستدام.

ويرد نجاح المعركة إلى عاملين رئيسيين: التوفيق، والإعداد الطويل. فالتحضير لم يبدأ عند انطلاق القتال، بل منذ سنوات، بعد خسائر 2019. وشمل ذلك توحيد القيادة، والتدريب، والتسليح الذاتي، وبناء إدارة مدنية قادرة على التحرك خلف القوة العسكرية مباشرة.

في حلب، مثلا، لم يقتصر الاستعداد على الخطة القتالية. كانت فرق إدارة الأفران والخدمات والنظافة والمؤسسات جاهزة للدخول بعد خروج القوات العسكرية. وبدأ عمال النظافة العمل بعد وقت قصير من دخول المدينة، في رسالة عملية مفادها أن السيطرة لا تكتمل إلا باستعادة انتظام الحياة اليومية.

دمشق في 8 ديسمبر: من الرمز إلى مسؤولية الدولة

كانت دمشق حاضرة في المخيلة السياسية منذ وقت مبكر. فقد ظل أحمد الشرع يرى العاصمة هدفا لا يغيب، حتى إنه أوصى منذ عام 2012 بتجهيز منبر لخطبة يلقيها عند دخول دمشق. وعندما تحقق ذلك في 8 ديسمبر 2024، وجد في المشهد شيئا مألوفا من كثرة ما تخيله واشتغل عليه.

لكن لحظة الدخول لم تكن خاتمة المسار، بل بداية عبىء أكبر. الأولويات العاجلة تمثلت في ضبط السلاح المنفلت، وتحويل الفصائل إلى جيش يخضع للنظام والقانون، وحماية السلم الأهلي في مجتمع مثقل بالقتل والفقد والاعتقال. فهناك مئات آلاف المفقودين، وعائلات ما زالت تبحث عن آثار أبنائها في المقابر الجماعية وأماكن المجازر.

لذلك كان الانتقال السريع إلى المؤسسات ضرورة سياسية وأمنية. وقد جرى توجيه القوى العسكرية للعودة إلى مواقعها، مع دخول المؤسسات لتولي إدارة الشأن العام. والفكرة الأساسية أن الدولة لا تبنى بالارتجال أو بالمزاج الشخصي، بل بقوانين ناظمة ومؤسسات قادرة على الاستمرار.

فتح صفحة جديدة دون إلغاء العدالة

تقوم المقاربة المعلنة تجاه السوريين على فتح صفحة جديدة مع كل من لم يشارك في المجازر أو الجرائم المنظمة. فالنظام السابق رسخ، على مدى سنوات الحرب، صورة عن الثورة بوصفها تهديدا وجوديا لفئات واسعة من المجتمع. وكان من الضروري، في هذا التصور، إتاحة الفرصة للناس كي يتعرفوا إلى الواقع الجديد من خلال الاحتكاك المباشر والمؤسسات والخطاب العام.

وتتطلب هذه السياسة التواصل مع مختلف الشرائح، من الأعيان والنخب إلى الناس العاديين في المحافظات. غير أن الاحتواء لا يعني تجاهل المشاكل المتراكمة أو نقل كل خصومات الماضي إلى الدولة الجديدة. فالبلاد الخارجة من الحرب لا تحتمل أن تصبح ساحة لتجريب الحلول الجاهزة أو لتصفية الحسابات التاريخية.

المطلوب، بحسب هذه الرؤية، هو مشاركة واسعة ومصداقية في تشخيص المشكلات، ثم البحث عن حلول مناسبة لتعقيد الواقع السوري. فالبلاد لا تحتاج إلى وصفات مكررة، بل إلى قدرة على التفكير خارج القوالب التي أنتجت أزمات سابقة.

من قيادة الثورة إلى قيادة الدولة

الفرق بين قيادة الثورة وقيادة الدولة ليس مجرد انتقال في المنصب، بل انتقال في طبيعة المسؤولية. إدارة الثورة جرت في ظروف حرب وحصار ونزوح وتدخلات خارجية وانقسام داخلي. أما إدارة الدولة فتتطلب دمج خبرات أوسع: خبرات من عملوا في المناطق المحررة، وخبرات السوريين الذين عاشوا في اللجوء في ألمانيا وكندا والولايات المتحدة ودول الخليج، وخبرات فنية وإدارية ممن عملوا في مؤسسات النظام السابق ولم يتورطوا في الجرائم.

النجاح لا يقوم على استبعاد فئة لصالح أخرى، بل على جمع الكفاءات داخل إطار قانوني. وهذا يعني تحويل إدارة البلاد من منطق الأشخاص والولاءات إلى منطق القوانين والمؤسسات. كما يعني إدراك أن بعض أدوات إدلب يمكن الاستفادة منها، لكن لا يمكن نقلها حرفيا إلى بلد بحجم سوريا وتعقيدها وتنوعه الاجتماعي والجغرافي.

قاسيون ودمشق: ذاكرة حضارية وقلق استراتيجي

من جبل قاسيون تبدو دمشق مدينة تتجاوز حدود التجربة الشخصية. كان أحمد الشرع يتردد إلى الجبل قبل ذهابه إلى العراق، ثم جعله من أولى محطات دخوله إلى العاصمة بعد التحرير، رغم المخاطر الأمنية القائمة في محيطها. فدمشق، في هذا التصور، ليست فقط عاصمة سياسية، بل مساحة تتجاور فيها الأوجاع والأفراح والتاريخ والرهان على المستقبل.

يرى في المدينة مركزا حضاريا بالغ القدم، وموضعا لتراكم المعرفة والاجتماع الإنساني والتبادل التجاري والثقافي. ولهذا تبقى محفورة في ذاكرة من يزورها أو يعيش فيها، كأنها تستدعي الناس إليها بما يتجاوز التجربة المباشرة. ومن هنا تنشأ علاقة وجدانية بين المدينة وساكنيها، لكنها لا تلغي قراءة موقعها الاستراتيجي ومخاطرها.

فسوريا، بحكم تاريخها وموقعها وأهميتها، محاطة دوما بالأطماع والتحديات. وكلما زادت قيمة البلد الاستراتيجية، زادت ضرورة الحذر وقراءة الأحداث بصورة متصلة. ولا يقدم هذا القلق بوصفه حالة خوف سلبية، بل بوصفه قاعدة للعمل السياسي: توقع الأزمات، والانتباه للمخاطر، ومنع المفاجآت قبل وقوعها.

خلاصة المسار: من التجربة إلى الدولة

تكشف مسيرة أحمد الشرع، كما تظهر عبر محطاتها المتعددة، عن انتقال من سؤال فردي مبكر حول الواجب إلى تصور سياسي أوسع حول الدولة. الجولان منح الذاكرة معنى الفقد والعودة، وفلسطين جعلت القضية العامة حاضرة في التكوين، والعراق كشف كلفة العنف غير المنضبط وضيق الأفق التنظيمي، والسجن وفر وقتا للمراجعة والقراءة، وإدلب صارت مختبرا للإدارة وبناء المؤسسات.

أما سقوط نظام الأسد، فلا يظهر بوصفه لحظة عسكرية منفصلة، بل بوصفه نتيجة إعداد طويل تراكم عبر الخسائر والتدريب وإعادة البناء وتوحيد القرار. ومع ذلك، فإن التحدي الأكبر يبدأ بعد التحرير: بناء جيش وقانون ومؤسسات، وحماية السلم الأهلي، ودمج السوريين، وإنصاف الضحايا، وإدارة بلد خرج من عقود من الاستبداد وسنوات من الحرب.

إن المعنى الأوسع لهذا المسار يتصل بمصير سوريا ذاتها. فالانتقال من الثورة إلى الدولة لا ينجح بالشعارات ولا بالماضي وحده، بل بالقدرة على التعلم، وبناء المؤسسات، وعدم تكرار الأخطاء، وتحويل التنوع السوري من مصدر صراع إلى قاعدة مشاركة وطنية. وتبقى دمشق، من قاسيون إلى أحيائها القديمة والجديدة، عنوان هذا الامتحان الكبير.

للاطلاع على تغطيات وتحليلات إضافية للشأن السوري والإقليمي، يمكن متابعة منصة الجزيرة الإنجليزية وموقع الجزيرة نت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى